ابن قيم الجوزية

584

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وهذا السماع الروحاني تبع لحقيقة القلب ومادته منه ، فالاتحاد به يظن به السامع : أنه أدرك ذلك المعنى لا محالة من الصوت الخارجي . وسبب ذلك اتحاد السمع بالقلب . وأكمل السماع : سماع من يسمع باللّه ما هو مسموع من اللّه وهو كلامه . وهو سماع المحبين المحبوبين . كما في الحديث الذي في « صحيح البخاري » عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى - أنه قال : « ما تقرب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه . ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه . فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به . وبصره الذي يبصر به . ويده التي يبطش بها . ورجله التي يمشي بها . فبي يسمع . وبي يبصر . وبي يبطش . وبي يمشي » . والقلب يتأثر بالسماع بحسب ما فيه من المحبة . فإذا امتلأ من محبة اللّه وسمع كلام محبوبه - أي بمصاحبته وحضوره في قلبه - فله من سماعه هذا شأن . ولغيره شأن آخر . واللّه أعلم . والثاني على ثلاثة أقسام : أحدها : من اتصف قلبه بصفات نفسه . بحيث صار قلبه نفسا محضة . فغلبت عليه آفات الشهوات ، ودعوات الهوى . فهذا حظه من السماع : كحظ البهائم . لا يسمع إلا دعاء ونداء . والفرق الذي بينها وبينه : غير طائل . القسم الثاني : من اتصفت نفسه بصفات قلبه . فصارت نفسه قلبا محضا . فغلبت عليه المعرفة والمحبة ، والعقل واللب . وعشق صفات الكمال . فاستنارت نفسه بنور القلب . واطمأنت إلى ربها . وقرت عينها بعبوديته . وصار نعيمها في حبه وقربه . فهذا حظه من السماع مثل - أو قريب - من حظ الملائكة . وسماعه غذاء قلبه وروحه ، وقرة عينه ونعيمه من الدنيا ، ورياضه التي يسرح فيها . وحياته التي بها قوامه . وإلى هذا المعنى قصد أرباب سماع القصائد والأبيات « 1 » . ولكن أخطأوا الطريق وأخذوا عن الدرب شمالا ووراء . القسم الثالث : من له منزلة بين منزلتين . وقلبه باق على فطرته الأولى . ولكن ما تصرف في نفسه تصرفا أحالها إليه . وأزال به رسومها . وجلا عنه ظلمتها . ولا قويت النفس على القلب بإحالته إليها . وتصرفت فيه تصرفا أزالت عنه نوره وصحته وفطرته . فبين القلب والنفس منازلات ووقائع ، والحرب بينهما دول وسجال ، تدال النفس عليه تارة ، ويدال عليها تارة . فهذا حظه من السماع : حظ بين الحظين ، ونصيبه منه بين النصيبين . فإن صادفه وقت دولة القلب : كان حظه منه قويا . وإن صادفه وقت دولة النفس : كان ضعيفا . ومن ههنا يقع التفاوت في الفقه عن اللّه . والفهم عنه . والابتهاج والنعيم بسماع كلامه .

--> ( 1 ) ومن أين لهم هذا ؟ وقد انصرفوا بأشعارهم في عشق الصور والتغزل فيها هاجرين القرآن الذي أنزله اللّه شفاء لما في صدور المؤمنين . ولقد زادوا محادة للّه بأن قالوا : إن شعرهم وعشقهم إنما هو لذات الرب . سبحان اللّه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا .